محمد بن محمد النويري
167
شرح طيبة النشر في القراءات العشر
وعلى بناء « فتنوا » للمفعول ، يعود الضمير للذين هاجروا ، وفي الثانية « 1 » إلى الأخسرين . وأما فائدة اختلاف القراءات فكثير غير ما تقدم : منها ما في ذلك من نهاية البلاغة ، وكمال الإعجاز ، وغاية الاختصار ؛ إذ كل قراءة بمنزلة آية ، إذ كان تنوع اللفظ بكلمة يقوم « 2 » مقام آيات ، ولو جعلت دلالة كل لفظ آية على حدتها لم يخف ما كان في ذلك من التطويل . ومنها ما في ذلك من عظيم البرهان وواضح « 3 » الدلالة ؛ إذ هو مع كثرة [ هذا الاختلاف ] « 4 » لم يتطرق إليه تضاد ولا تناقض ، بل كله « 5 » يصدق بعضه بعضا ، ويبينه ويشهد له .
--> القول الثاني : أنها ناقصة ، وفي خبرها القولان المشهوران بين البصريين والكوفيين ، هل هو محذوف ، واللام متعلقة به وإليه ذهب البصريون ؟ أو هو اللام ، وما جرته كما هو مذهب الكوفيين ؟ الوجه الثاني : أن تكون المخففة من الثقيلة . قال الزمخشري : « وإن عظم مكرهم وتبالغ في الشدة ، فضرب زوال الجبال منه مثلا لتفاقمه وشدته ، أي : وإن كان مكرهم معدّا لذلك » . وقال ابن عطية : « ويحتمل عندي أن يكون معنى هذه القراءة : تعظيم مكرهم ، أي : وإن كان شديدا إنما يفعل ليذهب به عظام الأمور » ، فمفهوم هذين الكلامين أنها مخففة ؛ لأنه إثبات . والثالث : أنها شرطية ، وجوابها محذوف ، أي : وإن كان مكرهم مقدرا لإزالة أشباه الجبال الرواسي ، وهي المعجزات والآيات ، فالله مجازيهم بمكرهم ، وأعظم منه . وقد رجح الوجهان الأخيران على الأول ، وهو : أنها نافية ؛ لأن فيه معارضة لقراءة الكسائي في ذلك ؛ لأن قراءته تؤذن بالإثبات ، وقراءة غيره تؤذن بالنفي . وقد أجاب بعضهم عن ذلك : بأن الجبال في قراءة الكسائي مشار بها إلى أمور عظام غير الإسلام ومعجزاته ، لمكرهم صلاحية إزالتها ، وفي قراءة الجماعة مشار بها إلى ما جاء به النبي المختار - صلوات الله وسلامه عليه - من الدين الحق ، فلا تعارض إذ لم يتواردا على معنى واحد نفيا ، وإثباتا . وأما قراءة الكسائي ففي : « إن » وجهان : مذهب البصريين أنها المخففة واللام فارقة ، ومذهب الكوفيين أنها نافية ، واللام بمعنى : « إلا » وقد تقدم تحقيق المذهبين . وقرأ عمر ، وعلى ، وعبد الله ، وزيد بن علي ، وأبو سلمة وجماعة - رضي الله عنهم - وإن كاد مكرهم لتزول كقراءة الكسائي ، إلا أنهم جعلوا مكان نون : « كان » دالا ، فعل مقاربة ، وتخريجها كما تقدم ، ولكن الزوال غير واقع . وقرئ : لِتَزُولَ بفتح اللامين ، وتخريجها على إشكالها أنها جاءت على لغة من لا يفتح لام كي . ينظر اللباب ( 11 / 412 ، 413 ) . ( 1 ) في د ، ز ، ص : التسمية . ( 2 ) في م : تقوم . ( 3 ) في م : وأوضح . ( 4 ) في م : الخلاف . ( 5 ) في د : كل .